تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٠ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٢٧
قوله جلّ اسمه: [سورة البقرة [٢]: آية ٢٧]
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [٢٧]
أراد أن يذكر صفة الفاسقين كشفا عن حالهم و إيضاحا لسبب ضلالهم و تقريرا لرسوخهم فيما هم عليه، ليدلّ على نكالهم في مآلهم من الخسران العظيم و العذاب الأليم.
و «النقض» [١] في اللغة: فسخ التركيب و فكّه. و إنّما ساغ و شاع استعماله في إبطال العهد تشبيها له بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ربط أحد المتعاهدين بالآخر؛ ثمّ إنّ ذكر المشبّه به- و هو الحبل- كان ترشيحا للمجاز، و إن اطلق مع المشبّه- و هو العهد- كان رمزا إلى ما هو من روادفه، و هذا من أسرار البلاغة و لطائفها أن يسكتوا عن ذكر المستعار و يرمزوا بذكر شيء من روادفه، فينبّهوا على مكانه، كقولك «شجاع يفترس أقرانه» تنبيها على أنه أسد في شجاعته. و «عالم يغترف منه» تنبيها على أنّه بحر في علمه و إفادته.
و من قبيل الأول قول ابن التيهان في بيعة العقبة [٢]: «يا رسول اللّه إنّ بيننا و بين القوم حبالا و نحن قاطعوها فنخشى إن اللّه [عز و جل] أعزّك و أظهرك [على قومك] أن
[١] الكشاف: ١/ ٢٠٧.
[٢] هو أبو الهيثم بن التيهان، راجع السيرة النبوية لابن هشام: أمر العقبة الثانية:
١/ ٤٤٢. و في الأصل: ابن التيهارة (محرف).